صالح مهدي هاشم

167

المشهد الفلسفي في القرن السابع الهجري

والأمر الآخر الذي توهم فيه ابن خلدون : حينما ذكر في مقدمته ( ينبغي أن يعلم أن هذا العلم ، الذي هو " علم الكلام " ، غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم ، إذ الملحدة قد انقرضوا ) « 1 » . والحق أن القضاء على علم راسخ منذ عصر الرسالة ، بدعوى انتهاء موضوعه قول غير سديد ، العلوم متطورة يكمل بعضها بعضا ، على وفق سنة الحياة ، تتزيا بأزياء جديدة ، بين الفينة والأخرى ، محكومة بطبيعة الأشياء ، تلبسها الأحداث ثوبا آخر ، وتنضو عنها ثوبها القديم ، بمقدار ما كانت عليه الأحوال الاجتماعية والسياسية والعلمية . " وعلم الكلام " هو أساس العلوم العقلية ، ومنه انبثقت وتطورت ، فهو أجدر بالتطور ، وأحرى بالاستمرار . هذه الأفكار غير الدقيقة التي صرح بها ابن خلدون ، منعت الأمة من أن تدخل في عصرها ، وأن تأخذ من العصر ما ينفعها ، ويمضي بها إلى حيث الحداثة والمعاصرة ورحابة المستقبل . والأمر الآخر الذي وجدنا ضرورة الوقوف عنده ، ما ذكره الدكتور محمد عابد الجابري أن كتاب ( المواقف ) ( أشبه ما يكون بمعجم للمصطلحات الفلسفية والكلامية منه إلى كتاب في الفلسفة أو في علم الكلام ) « 2 » . . وعلى وفق هذا يقرر أن ( الشيء الوحيد الذي ينقص هذا الكتاب يتحول إلى ( معجم ) هو الترتيب الأبجدي ، ذلك لأننا إذا غضضنا الطرف عن بنى علم الكلام التقليدية التي تتوزع مادة الكتاب ، وهي بنية باهتة لا يلحظها إلا من له سابق معرفة بها ، فإننا سنجد أنفسنا أمام سلسلة طويلة من المفاهيم الفلسفية والكلامية ، سلسلة قد فصلت حلقاتها بعضها عن بعض ، فما عاد السابق منها يؤدي إلى اللاحق ، ثم رصفت صفا فوق سطح شكله مضلعا غير منتظم ، هذه المفاهيم تقدم لها تعريفات مختلفة بعضها للمتكلمين ، وبعضها للحكماء ، أي الفلاسفة ، ثم يلي ذلك

--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 461 - 467 . ( 2 ) الجابري ، بنية العقل العربية ، ص 504 .